أبي منصور الماتريدي
206
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
عن هذه الأنباء ، وعن قصصهم ؛ فهذا يدل أن الإيمان بجملة الأنبياء والرسل إيمان ، وإن لم يعرف أنفس الأنبياء وأنفس الرسل وأساميهم ؛ لأنه أخبر أنه كان غافلا عن أنبائهم ، وعن قصصهم ، ولا شك أنه كان مؤمنا بالله مخلصا ، وبالله العصمة . وقال ابن عباس - رضي الله عنه - : أحسن القصص : كلام الرحمن . وقال مجاهد : اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ [ الزمر : 23 ] : كلام ربّ العالمين . وقوله : تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ يخرج على وجهين : أحدهما : أن يكون الذي سألوا عنه رسول الله عن قصة يوسف صيرورة بني إسرائيل بمصر ، وقد كانوا من قبل بالشام ، فقال : تلك الأنباء والقصص نجعلها آيات هذه السّورة التي هي من الكتاب المبين . أو تلك آيات حجج وبراهين لرسالة محمد صلى اللّه عليه وسلّم إذ هي من أنباء الغيب عنهم ، فعلم الأنباء عنها بالله سبحانه وتعالى . وقوله - عزّ وجل - : إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ دل قوله : إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً إن إخوة يوسف كانوا علماء وعيون الأرض ، نجوما يقتدى بهم ويهتدى ؛ إذ بالنجوم يقتدى في الأرض ، وبها يهتدون الطرق والمسالك . ودل قوله : وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حيث - خرج على أبويه - أنه كان بهما جميع منافع الخلق ؛ إذ بهما صلاح جميع الأغذية في الأرض ، ونضج جميع الفواكه والأنزال ، وجميع المنافع التي بالناس حاجة إلى ذلك . ودل قوله : إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ أن الرؤيا تخرج على عين ما رأى ، وتخرج على غيره بالمعنى الذي يتصل به ؛ لأنه رأى الكواكب
--> - وثانيها : لحسن مجاوزة يوسف عن إخوته ، وصبره على أذاهم ، وعفوه عنهم بعد التقائهم عن ذكر فعلهم ، وكرمه في العفو عنهم ، حتى قال : لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ [ يوسف : 92 ] . وثالثها : أن فيها ذكر الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - والصالحين ، والملائكة ، والجن ، والشياطين ، والإنس ، والطير ، وسير الملوك ، والمماليك ، والتجار ، والعلماء ، والجهال ، والرجال ، والنساء وحيلهن ومكرهن ، وذكر التوحيد ، والفقه ، والسير ، وتعبير الرؤيا ، والسياسة ، والمعاشرة ، وتدبير المعاش ، وجمل الفوائد التي تصلح للدين والدنيا . ورابعها : أن فيها ذكر الحبيب والمحبوب وسيرهما . وخامسها : أن « أحسن » هنا بمعنى : أعجب . وسادسها : سميت أحسن القصص ، لأن كل من ذكر فيها كان مآله إلى السعادة ، وانظر إلى يوسف ، وأبيه وإخوته ، وامرأة العزيز ، قيل : والملك أيضا أسلم بيوسف ، وحسن إسلامه ، ومستعبر الرؤيا ، والساقي ، والشاهد - فيما يقال - فما كان أمر الجميع إلا إلى خير ، والله - تعالى - أعلم . ينظر : اللباب ( 11 / 6 ، 7 ) .